أحمد الشرباصي

143

موسوعة اخلاق القرآن

سورة المدثر : « فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ، كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ، فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ » أي كأنهم حمير وحشية هاربة بسرعة من الأسد . والتذكر المفيد النافع هو الذي يأتي في أوانه ومكانه ، وأما إذا فات ميقاته وبعد مكانه فإنه يصير حسرة أو ند ما لاذعا ، وهذا مما نتعلمه من القرآن الكريم حيث يقول في سورة الفجر : « كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ، وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ، وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ، يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ، وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى ؟ يَقُولُ : يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي ، فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ ، وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ » . * * وإذا كان التذكر منازل ودرجات ، فأعلى هذه المنازل وقمة تلك الدرجات هي تذكر جلال اللّه تعالى ، واستحضار عظمته وقدرته ، وهذا ما يعبّر عنه بكلمة « ذكر الله » وذكر اللّه هو تمجيده سبحانه وتقديسه ، اعتقادا وتعبدا ، وهو تسبيحه وتنزيهه والثناء عليه بجميع محامده ، لأن هذا الذكر هو الأساس المتين والركن الركين ، والقرآن يقول في سورة الرعد : « الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ، أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ » . وقد أخبر القرآن أن ذكر اللّه تعالى هو طريق الفلاح ، فقال في سورة الأعلى : « قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى » . وأخبر أن ذكر اللّه المحيي للقلوب والضمائر هو طريق المغفرة ومفتاح الجنة ، فقال في سورة آل عمران : « وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ، وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ، وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ » . وهناك كثير من الناس يظنون أن ذكر اللّه مقصور على ترديد أسمائه وصفاته